الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية بقلم محمد المنصف بن مراد: عندما يكرّر الباجي خطأ بن جعفر والشابي

نشر في  02 سبتمبر 2015  (10:22)

في العدد الماضي قدّمت بعض الأفكار في مقال عنوانه «هزيمة جديدة لحزب نداء تونس» وعلقت عليه جريدة «الفجر» التابعة للنّهضة بـ«ما سرّ مقال المنصف بن مراد؟»..وأردّ: السرّ الوحيد هو حبّي لهذه البلاد وخوفي على مستقبلها ومراعاتي لمصالح تونس دون اعتبار للمخطّطات الحزبيّة  الضيّقة سواء الداخلية أو خاصّة الأجنبية.. أنا لا أنتمي الى  أيّ حزب وقد صوّت لفائدة النداء والباجي معتقدا أنّهما سيرسّخان قضاء مستقلاّ وعدالة جبائيّة واضحة ونموا في الجهات يلعب فيه أبناء الولايات المقصاة وبناتها دورا محوريا، كما كنت أتصوّر انّ النداء والباجي سيضعان حدّا للأمن الموازي وسيعلنان حربا جدية على الارهاب وكبار المهرّبين مع الاهتمام بالتعليم والصحّة واقصاء كلّ المتشدّدين من إدارة المساجد والتحييد الفعلي للإدارة بما في ذلك سلك الولاة وكبار المسؤولين ومساندة الثقافة بطريقة مبتكرة، لكن بقرار أمريكي اشترك حزب نداء تونس مع حزب النهضة في تسيير البلاد.. ولئن سجّلنا تحسينات طفيفة فانّ تونس مازالت تعاني من جبال من المشاكل برزت خاصّة في عهد الترويكا، كاختراق الأمن والدّفاع واركاع الإدارة والقضاء وانتشار الأسلحة وتمركز الارهاب.. والتهاب الأسعار!

واليوم وبعد أن اتفق النداء والنهضة على الاشتراك في تسيير شؤون البلاد أيقن عدد هامّ من ناخبي الباجي والنداء أنّ أصواتهم لن تحمي قيم الجمهورية ومكاسب المرأة ولن تؤسّس لدولة جديدة عادلة في خدمة المواطن.. لقد شعروا بخيبة أمل كبرى وفقدوا ثقتهم بالطبقة السياسيّة لا سيّما بالنداء ممّا سيؤدي بهم الى الامتناع عن التصويت في الموعد الانتخابي المقبل أو ربّما التصويت لحزب مدني آخر.. وفي هذا السياق أذكّر بأنّ حزب التكتّل الذي يرأسه مصطفى بن جعفر والحزب الجمهوري الذي يرأسه نجيب الشابّي فقدا أكثر من 90 ٪ من ناخبيهما لأنّ بن جعفر والشابي اقتربا من النهضة وتخليا عن مبادئهما السياسيّة طمعا في مساندة النهضة لترشحهما للانتخابات الرئاسيّة! هذا مؤكّد ولا يرتقي اليه ايّ شكّ.. واليوم يتشاور النداء مع النهضة ـ ولو بصفة نسبية ـ في أهمّ القضايا  بعد ان تخلّى حزب الباجي عن مناصب هامّة مثل رئاسة الحكومة والداخلية والعدل والدّفاع ولم يكن حاسما في انهاء الأمن الموازي أو وضع حدّ لمهامّ عدد من المسوؤلين الإداريين أو في بعض المؤسسات! وهكذا اصبح النداء شبه «طرطور» رغم فوزه في الرئاسية والتشريعية، وبات بلا نفوذ فعلي في تصريف شؤون البلاد وكأنّ «الماكينة» لانتخابية لم يكن لها من هدف سوى تعيين بعض المسؤولين في مناصب هامّة! فالنداء قبل الانتخابات «شيء» والنداء بعد الانتخابات «شيء آخر»! وساكن قرطاج لم يحرّك ساكنا وكأنه سجين هذا القصر الملعون! أما في مجلس الشعب فانّ الاخلالات في قانون مكافحة الارهاب والتسرّع في تكوين لجنة للتقصّي في «تعذيب» الارهابيين، مؤشّر على ضعف هذه المؤسسة التي تخضع للتجاذبات  ولـ«حزب» المدافعين عن حقوق الارهابيين والفوضى وشبه حقوق الانسان!

وحتى ان لم يتخل أغلب ناخبي النداء عنه لأنّ هناك شبكات جهوية وأموالا، فانّه لن ينجح في استقطاب أغلبية اضافة الى انّ تأثير الباجي سيضعف بمرور السّنين بسبب عدم التزامه بتعهّداته وسنّه..
أما النّداء فانّه يخضع لتجاذبات كبيرة بين مسؤوليه (اليسار ـ التجمّعيون ـ  اليمين ـ الطموحات الشخصيّة) علما انّ من بين نقاط ضعفه «ولد الرئيس المدلّل» حافظ قايد السبسي الذي يفتقر لأيّة خبرة وتكوين سياسي ويبدو ان هناك قناعة لدى حزب النهضة بأنّ غروره واتصال قياديين من النهضة به سيفجّران النداء وسيسمحان لحزب الغنّوشي بالفوز في الانتخابات البرلمانية المقبلة في صورة انقسام النداء الى حزبين.. وتفيد بعض المعطيات انّ رئيس الحزب طلب من ابنه عدم الالتقاء بمسؤولي حزب النهضة.
أمّا محسن مرزوق فانّ اهتمامه بالانتخابات الرئاسيّة المقبلة سيضعف «النداء»  علما انّ عددا هاما من النساء لن يصوّتن في الانتخابات الرئاسيّة المقبلة لفائدته  لأنّه لا يمتلك «كاريزما» الباجي ولا تاريخه ولأنّ جزءا هامّا من النساء فقدن ثقتهنّ بالطبقة السياسيّة ولأنّ نداء تونس بصدد ارتكاب الأخطاء ذاتها التي ارتكبها التكتّل والجمهوري عندما طمعا في مساندة النهضة بخصوص الرئاسيّة.. وتجدر الإشارة الى انّ تقارب (أو بالأحرى تقرّب) أيّ حزب ديمقراطي من النهضة سيجعله (أي الحزب) يفقد نسبة كبيرة من ناخبيه.
لقد كان من الأجدى لهذه البلاد تكوين حكومة لا تشارك فيها النهضة مع احترام كل حقوقها السياسيّة كحزب ثان، والشّروع بسرعة ودون تسرّع في تنمية الجهات و اعفاء الأمنيين والقضاة الذين خدموا بانحياز الترويكا من مهامّهم دون ملاحقتهم قضائيا الا اذا ثبت ضلوع أيّ منهم في جريمة دم، كما أنّ البلاد بحاجة الى قضاء مستقل والى أمن جمهوري وانهاء تأثير كبار المهرّبين والضغط بصفة حازمة وجدّية على الأسعار والى تطهير المساجد وتأكيد حقوق المرأة وتوسيع دائرتها وارجاع الإدارة الىالعمل والتفاوض مع اتحاد الشغل حول كلّ الزيادات ورفض اي اضراب بعد ذلك.. لقد كنّا سنشهد ولادة بلد ديمقراطي وعصري وعادل ومستقل عن كلّ الحكومات والقوى الأجنبية  ومن بينها أمريكا وتركيا وقطر،  لكن النداء لم يكن في مستوى المسؤولية التاريخيّة، ورغم بعض الترقيعات مازالت تونس في خطر.. فلا خشية من حرب ميليشيات ـ مثلما يردّده البعض ـ والاضرار بمصالح تونس في حالة تكوين ائتلاف حكومي دون النهضة لأنّ الشعب التونسي ونخبه وكل مؤسّسات الدولة سدّ منيع  خاصّة انّ تكوين حكومة لا تكون النهضة ممثلة فيها، لا يعني التصادم معها أو محاربتها أو محاكمتها بل انجاز برنامج الحزب الحاكم على أسس لا علاقة لها بالدّين والعقيدة... هذا هو سرّ مقالي لأنّي تونسي ولا أخدم أيّ مصلحة حزبية أو أجندا أجنبيّة،  وكل أملي هو أن تصبح بلادي واحة يطيب فيها العيش وينعم فيها شعبها بالرّخاء والحرّية وحقوق الانسان.